السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

23

مفاتيح الأصول

في أحدهما معنى وفي الأخرى آخر متغاير للأول وهذا لا نزاع في صحّته وكونه حقيقة كما في حواشي المحقق الشيرواني والفاضل المازندراني والتفتازاني والأبهري والباغنوي وفي شرح المنهاج لشمس الدين محمد بن أبي القاسم الأصفهاني نفي الخلاف في صحّته وقد يقال علي القول بأنه ظاهر في الجميع كما اختاره الشافعي يلزم أن يكون مجازا لأن عنده أنه كاللفظ العام بل قيل إن العام عنده على قسمين متفق الحقيقة ومختلفها فكما أن استعمال العام في بعض معانيه مجاز فكذلك استعمال المشترك في أحد معانيه يلزم أن يكون مجازا لكن قد يقال إن مجرد الظهور في الجميع عند عدم القرينة على إرادة بعض المعاني لا يستلزم مجازية استعماله فيه عند قيامها والمراد بكونه كالعام كونه مثله في الحمل على الجميع عند التجرد عنها لا مطلقا وإلا لكان هو من الألفاظ الموضوعة للعموم كلفظ كل وهو فاسد بالبديهة الثاني أن يطلق مرة على أحد المعنيين لا على التعيين عند المتكلم بأن يريد به في إطلاق واحد هذا أو ذاك مثل قول القائل وليكن ثوبك جونا أي إما أسود أو أبيض قال في شرح ح ليس في كلام القوم ما يشعر بإثبات ذلك أو نفيه إلا ما يشير إليه كلام المفتاح من أن ذلك حقيقة عند التجرد عن القرائن قلت لا يخفى فساده إذ من المعلوم أن الترديد ليس جزءا من مفهوم المشترك فاستعماله وإرادة ذلك منه من المجاز والوضع للمعنيين لا يستلزم ما ذكره جدّا الثالث أن يطلق على القدر المشترك بين المعاني بأن يريد بالعين مثلا في قوله ائتني بعين ما يسمّى عينا قال الباغنوي والشيرواني لا كلام في صحّته وفي كونه مجازا والفرق بين هذا وما تقدمه جلَّي فإن الإطلاق في الأول على سبيل الترديد اللازم لإرادة خصوصية أحد الفردين من نفس اللفظ بخلاف هذا القسم فإن الإطلاق فيه لم يقتض ذلك لأن المفروض أن المراد به نفس القدر المشترك وهو شيء لا يصلح للترديد نعم هو من توابعه الرابع أن يطلق على مجموع المعنيين من حيث هو أي الماهية المنتزعة من اجتماعهما فيكون المجموع من حيث هو مناطا للحكم ومتعلقا للإثبات والنفي لا كل واحد قال جدي المازندراني والباغنوي لا نزاع في امتناع ذلك حقيقة وفي جوازه مجازا إن وجدت علاقة مصححة له لكنها لم توجد الخامس أن يطلق ويريد به في هذا الإطلاق كل واحد من المعاني بالخصوص بأن يكون كل منهما مناطا للحكم ومتعلقا للإثبات والنفي والفرق بين هذا والرابع هو الفرق بين الكل المجموعي والكل الأفرادي فإن هذا من قبيل الثاني والرابع من قبيل الأول وتقرير الفرق بينهما أن المتكلم يقصد في الثاني كل واحد واحد قصدا أوليا بأن يكون كل منهما مناطا للحكم ومتعلقا للإثبات والنفي وفي الأول إنما يقصد المجموع من حيث هو قصدا أوليا وقصد كل واحد فيه أنما هو قصد ثانوي وأيضا الأول يدل على كل واحد واحد بالدلالة التضمنية بخلاف الثاني فإنه يدل عليه بالدلالة المطابقية على ما قيل وفيه نظر فإذا تقرر هذا فاعلم أن محل النزاع في مسألتنا هذه هو الأخير كما صرّح به في منية اللبيب ونهاية السئول وشرح ح وشرحي العبري والأصفهاني على المنهاج وحواشي الباغنوي والأبهري والفاضلين الشيرواني وجدي المازندراني والمحكي عن صاحب الحاصل والتحصيل وكثير من الأصوليين ويظهر من العضدي وربما يظهر من بعض العبارات أن النزاع في الرابع وليس بشيء وإذا عرفت هذا فاعلم أن تحقيق الكلام في هذه المسألة يقع في مقامات المقام الأول في أنه يجوز استعماله في جميع معانيه حتى أنه لو وردت رواية وانحصر تأويلها في الحمل على جميع معانيه كان هو اللازم دون الطرح أولا فيجوز الطرح ولم يلتفت في هذا المقام إلى كونه حقيقة أو مجازا ذهب أكثر الأصوليين كالعلامة وصاحب المعالم والبيضاوي والعبري وصاحب جمع الجوامع كما عن السيّد والفاضلين الباقلاني وعبد الجبار والجبائي والشافعي والرازي إلى الأول وحكي عن أبي هاشم وأبي الحسين البصري والكرخي وأبي عبد الله البصري وأبي حنيفة والغزالي اختيار الثاني للأولين وجود المصحّح للاستعمال وهو إما الوضع كما يدعيه بعض آخر وقد يمنع من كونهما مصحّحين للاستعمال على الإطلاق لاحتمال اشتراط كون الأول مصححا بعدم إرادة غيره من الوضع الآخر والثاني بعدم إرادة معنى مجازي آخر لا يقال الأصل عدم الاشتراط ولذا جوّز أكثر الأصوليين التعدي في المجاز من موضع نص أهل اللغة إلى غيره بالعلاقة لأنا نقول هذا حسن لو قام دليل على كونهما مصحّحين على الإطلاق وادعى التخصيص من غير إبداء المخصّص لكن نمنع من دليل يقتضي ذلك إذ لا نص من أهل اللغة عموما أو خصوصا يدل على ذلك والاستقراء في كلامهم لم يفده أيضا فإذن الأصل الاقتصار في نسبة المحاورة إلى اللغة العربية على القدر المتيقن وليس منه محل البحث لمكان الخلاف وعدم الدليل على التجويز على أنا ندعي الدليل على عدم التجويز وهو عدم وجود لفظ مشترك في كلام العرب مستعمل في أكثر معنى في إطلاق واحد بطريق الكل المجموعي والأفرادي لا مفرده ولا تثنيته ولا جمعه ولا مثبته ولا منفيه ويشهد به عدم نقل أكثر الأصوليين شاهدا على استعماله فيه من كلام العرب في مقابلة الخصوم الذين يدّعون المنع منه وليس ذلك إلا لعدم وجوده في لغة العرب وإلا لما خفي عنهم وعدم